
يحلّ خبر وفاة الفريق أول سعيد القحطاني كصدمة هادئة في وجدان كل من تابع مسيرة العمل الأمني في المملكة العربية السعودية، فالرجل لم يكن مجرد مسؤول رفيع في وزارة الداخلية، بل كان نموذجًا لرجل الدولة الذي أفنى عمره في خدمة وطنه بصمت، بعيدًا عن الأضواء، قريبًا من الميدان، حاضرًا في أدق التفاصيل، ومؤمنًا بأن الأمن رسالة قبل أن يكون منصبًا.
على مدى عقود طويلة، ظل اسمه مرتبطًا بالعمل الجاد والانضباط الصارم، فقد بدأ مسيرته منذ تخرجه في كلية الملك فهد الأمنية، وتدرّج في المواقع الأمنية المختلفة، متنقّلًا بين إدارات ومهام شديدة الحساسية، حتى بلغ أعلى المراتب القيادية في وزارة الداخلية، حيث شغل منصب مساعد وزير الداخلية لشؤون العمليات، وهو موقع لا يصل إليه إلا من جمع بين الخبرة العميقة والحكمة والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب اللحظات.
من الميدان إلى قمة القيادة الأمنية
لم تكن رحلة الفريق أول سعيد القحطاني مجرد انتقال وظيفي بين إدارات ومناصب، بل كانت مسيرة مليئة بالتحديات الميدانية، فقد عمل في مجالات التحقيق الجنائي، وإدارة السجون، والأمن في المشاعر المقدسة، وشارك في بناء منظومة متكاملة تقوم على التطوير المستمر، والانضباط المؤسسي، واحترام الإنسان، سواء كان مواطنًا أو مقيمًا أو زائرًا.
في كل موقع تولّاه، ترك بصمة واضحة، فكان يؤمن بأن رجل الأمن يجب أن يكون قدوة قبل أن يكون صاحب سلطة، وأن هيبة النظام لا تكتمل إلا بالعدل والإنصاف، لذلك حظي باحترام زملائه وتقدير من عملوا تحت قيادته.
الفريق أول سعيد القحطاني وصناعة رجل الأمن القائد
لم يكن القحطاني إداريًا تقليديًا، بل كان مدرسة في صناعة القائد الأمني، فقد آمن بأن العنصر البشري هو جوهر أي منظومة ناجحة، وحرص على تأهيل الكوادر الشابة، وغرس قيم الانضباط والمسؤولية في نفوسهم، فكان يقدّم الخبرة قبل الأوامر، ويصنع الثقة قبل المحاسبة.
هذا النهج جعله قريبًا من رجاله، حاضرًا في تفاصيلهم المهنية، ومؤمنًا بأن القيادة الحقيقية تُبنى بالقدوة اليومية لا بالقرارات المكتبية.
محطات مفصلية
شهدت حياة الفريق أول سعيد القحطاني محطات فارقة شكّلت ملامح شخصيته القيادية، من العمل في التحقيق الجنائي، إلى إدارة وحدات أمنية حساسة، وصولًا إلى الإشراف على ملفات عملياتية معقّدة داخل وزارة الداخلية، حيث راكم خبرة ميدانية نادرة، مكّنته من فهم التحديات من جذورها، لا من تقاريرها فقط.
كانت تلك المحطات هي التي صقلت شخصيته، وجعلت قراراته نابعة من الواقع، ومبنية على معرفة عميقة بطبيعة العمل الأمني وتعقيداته.
الفريق أول سعيد القحطاني وأمن المشاعر المقدسة بين الحكمة والحزم
من أبرز أدواره، إسهامه في إدارة الملفات الأمنية المرتبطة بالمشاعر المقدسة، وهي من أعقد المهام الأمنية في العالم، نظرًا لضخامة الأعداد وتنوّع الجنسيات وحساسية المكان، وقد ساهم بخبرته في تطوير آليات العمل الميداني، ورفع مستوى الجاهزية، بما يضمن سلامة ضيوف الرحمن وانسيابية حركتهم في أجواء يسودها الأمن والطمأنينة.
هذا الدور يعكس حجم الثقة التي وضعتها القيادة فيه، ويكشف عن قدرته على الجمع بين الحكمة في التخطيط والحزم في التنفيذ.
كيف غيّر مفهوم القيادة الأمنية الحديثة
مثّل الفريق أول سعيد القحطاني نموذجًا للقيادة الأمنية الحديثة التي تقوم على التخطيط، والعمل المؤسسي، واحترام الإنسان، فقد تجاوز مفهوم القائد الآمر إلى القائد الموجّه، الذي يصنع بيئة عمل مستقرة، ويؤمن بأن الاستدامة الأمنية تتحقق بالوعي قبل القوة.
أسهم هذا الفكر في تطوير أداء القطاعات التي عمل بها، وترك أثرًا طويل المدى في بنية العمل الأمني.
وداع يليق برجل دولة… مشاهد الحزن ورسائل الوفاء
مع إعلان وفاته، تفاعل الوسط الرسمي والشعبي بحزن صادق، وامتلأت المنصات بكلمات الدعاء والنعي، واستُحضرت سيرته بوصفه أحد رجالات الدولة الذين عملوا في صمت، وتركوا أثرهم دون ضجيج، وقد عبّرت قيادات وزارة الداخلية عن بالغ حزنها لفقدان رجل كان مثالًا في الإخلاص والالتزام.
لم يكن هذا الحزن طقوسًا عابرة، بل تعبيرًا عن مكانة حقيقية صنعها الرجل خلال سنوات خدمته.
إرث الفريق أول سعيد القحطاني في ذاكرة الوطن والمؤسسة الأمنية
برحيل الفريق أول سعيد القحطاني، تطوي المملكة صفحة من صفحات رجالها الأوفياء، لكنها في الوقت ذاته تفتح صفحة جديدة في ذاكرتها الوطنية، فالرجل لم يغادر التاريخ، بل انتقل من الميدان إلى الرمز، ومن المنصب إلى القدوة.
سيبقى اسمه حاضرًا في قصص رجال الأمن، وفي ضمائر من آمنوا بأن خدمة الوطن شرف لا يعلوه شرف، وأن الدولة القوية تُبنى برجال يعرفون معنى المسؤولية قبل أن يعرفوا معنى السلطة، رحم الله الفريق أول سعيد القحطاني، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
اقرأ أيضًا.. إندونيسيا ضد السعودية.. مواجهة من نار في طريق التأهل إلى كأس العالم




